قبل خمسة وأربعين عاماً كان هو وكان لبنان الحلم. عالم ومفكرّ مؤثّر في مجاليّ الثقافة والسياسة، هو الذي دعا أبناء الوطن على اختلاف طوائفهم إلى الوحدة ووقف القتال وهو الذي قال :" لبنان لا يقوم إلّا بجناحيّه المسلم والمسيحي . "
أكثر من أربعة عقود ولبنان ما زال ينتظر نهاية قضية إختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيّه الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين ورغم كلّ الجهود ما زالت فوضى غيابه عارمة وصدى أحلامه ببناء وطن نموذجي عائمة وسط الفساد السياسي اليوم.
إنطلقت رؤية الإمام الصدر من بيئته المتواضعة"حرمان حتى من أبسط الحقوق." فعمد إلى رفع الصوت عبر حركة المحرومين مطالباً بإصلاح الخلل في أداء السلطة وإعادة التوازن إلى المجتمع .. لبنان في وجدانه بلد الحوار والتفاعل بين الأديان والإنصهار بالحضارات ونموذج فريد للتنوع الثقافي...
لهذا موسى الصدر حاضر في وجدان لبنان، مغيب بالجسد الا إنّه رابض في روح البشر محبوب حتى من الشجر والحجر و موجود في القيم والمبادىء التي تعزز الكرامة الإنسانية وخدمة الإنسان تقرّباً بالله.
مسيرته زاخرة بمواقف الدفاع عن الضعفاء، هو الذي سعى جاهداً نحو التغيير السياسي دون أن ينسى شيعيته.
العربي المنفتح الملتزم مسيرته شاهدة في مسعاه الدائم الساعي للحوار الإسلامي المسيحي .في ٣١ آب ١٩٧٨ إنقطع الاتصال به وبرفيقيّه واليوم نستذكره لنحزن مرة أخرى على غيابه.. لتطل ابنته مليحة وتؤكد انّه ما زال حياً سجيناً في ليبيا.
فماذا لو كان قارع أجراس الكنائس القديمة ومؤذن الجوامع موجوداً حتى اليوم؟
سؤال برسم الفكر والحزن والفرح والحياة والأمل . فالإمام الصدر لم يكن إماماً للشيعة فقط بل إماماً للوطن، للمقاومة حاملاً راية القدس وهو معروف بصلابته بموضوع اسرائيل.
هذا بالمنظور الصدري، فكم يفخر اللبنانييون حين يستذكروه وكم يفخر اللبنانييون حين يقول السيد حسن نصرالله :" نمضي على نهج الإمام الصدر. "إنّه حيّ في ليبيا، ربما، لكن ما هو أكيد أنّه حيّ فينا ...
في الفكر الصدري لا تمييز بين أبناء الوطن هو الذي كان واعظاً في الكنائس وخاطباً في الحسينيات، ولو عاد مع السنوات الأخيرة لتغيّر حتماً طريق لبنان.
له مؤلفات وأبحاث يجب أن تدرّس في المدارس والجامعات، وله حوارات صحفية يجب أن تترجم لكلّ اللغات.الامام موسى الصدر ظاهرة وطنية لن تتكرر ويجب على الدولة الاهتمام بإرثه الفكري والثقافي.