ايهما يتقدّم الآخر عمل حكومة «الى العمل» أو عملية نبش دفاتر الماضي، واللعب على حبال الحملات والاتهامات، في دورة جديدة من السجالات، ربما تتخطى النيّات المعلنة إلى ما هو أبعد؟
وسط هذا السؤال المحوري، الذي يشغل الأوساط اللبنانية، وتدور حوله أسئلة الدوائر الدبلوماسية والمالية في بيروت، تتفاعل الحركة السياسية والأداء الرسمي، الذي يتقاطع عند جملة وقائع من بينها:
1- جلستان لمجلس النواب، الأربعاء والخميس، لأغراض تشريعية لا سيما في الشق المالي، وانتخاب النواب السبعة في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والذي تتحدث أوساط نيابية عن حاجة لتعديل قانون إنشاء هذا المجلس، الذي لن يكتمل قبل تسمية 8 قضاة من قبل مجلس القضاء الأعلى، الذي يستعد لمؤتمر سيدعو إليه الرئيس ميشال عون، في موعد ليس ببعيد هذا الشهر.
2- وعليه يصبح، من غير الممكن عقد جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل..
3- زيارة مرتقبة لوزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا ألستر بيرت إلى بيروت منتصف الأسبوع، وصفت بأنها «استطلاعية» وهي تأتي بعد قرار الحكومة البريطانية، ادراج حزب الله بجناحيه العسكري والسياسي على لائحة الإرهاب، في خطوة وصفها الحزب نفسه ببيان له أمس بأنها «انصياع ذليل» للولايات المتحدة.
وهذه الزيارة هي الثانية لمسؤول أوروبي رفيع، بعد المحادثات التي أجراها في بيروت مع الرئيس سعد الحريري والفريق الوزاري المعني بملف «سيدر» المبعوث الفرنسي المكلف متابعة مقررات مؤتمر «سيدر» بيار دوكان، الذي قال في مؤتمر صحفي انه من «دون إصلاح الكهرباء من الصعب الاستثمار، والحكومة لا تملك ترف الانتظار.
4 – وعلى خط مقابل، يلبي الرئيس ميشال عون الدعوة إلى زيارة موسكو، في وقت لم يعلن عنه بعد، لكن مصدراً مطلعاً أكّد ان الكرملين وجه دعوة لرئيس الجمهورية لزيارة روسيا الاتحادية، في زيارة هي الأولى من نوعها لدولة كبرى يتوقع ان تتناول المبادرة الروسية لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، بالتزامن مع معلومات أخرى ان على جدول الرئيس الحريري زيارة، قد يرافقه فيها إلى هناك وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب.

مؤتمر السنيورة
على ان اللافت في ما طرحه الرئيس السنيورة من وقائع في مؤتمره الصحفي أمس، والذي دحض فيه بالأرقام والحقائق الكاملة تفاصيل ملف مبلغ الـ11 مليار دولار، الذي انفقته حكومته بين سنوات 2006 و2009، واصفاً اياه بـ «زوبعة في فنجان» كانت الخلاصة السياسية التي انتهى إليها، وهي ان «الفساد الأكبر والشر الأعظم هو الفساد السياسي»، مصوباً بالذات على «حزب الله» حين اعتبر انه «يعتبر فاسداً» كل من يقيم دويلات داخل الدولة، ويسيطر على مرافقها، ويغل يد القانون عن الوصول إلى أي كان وإلى كل مكان، ومن يعطل الاستحقاقات الدستورية ومن يحول دون تطبيق الأنظمة والقوانين، ويسخر النصوص القانونية فيجعلها كالجواري في بلاط القوة الفائضة. مشيرا إلى انه «يتفرغ عن الفساد السياسي الفوضى في النظام العام والارتباك في الوظيفة العامة، واستتباع الدولة ومؤسساتها لصالح الميليشيات وملوك الطوائف وفقدان السيطرة من قبل رجال السلطة، وافساح المجال واسعاً امام التعدّي على القطاع العام ونهب ثرواته ولجوء المرتكبين إلى طوائفهم لكي يحتموا من الملاحقة والمحاسبة ويتفرع عنه أيضاً وايضاً ضياع مرجعية الدستور، بحيث يُمكن للمهيمنين ان يعدلوا الدستور بالممارسة، كما يقولون ويبتكرون في كل يوم قاعدة جديدة تخدم مصالحهم المتبادلة بحسب الظروف والأحداث.
ومن هنا، اكد السنيورة، ان «من نصبّ نفسه والياً للحسبة من دون ان تكون لديه المرجعية الأخلاقية ولا القانونية لمحاسبة الآخرين، يرفض الاحتكام إلى علم المحاسبة والتدقيق ومرجعية المستندات ويتحصن خلف فظاظة تعابيره لكي يبقي على نفسه سلطاناً جائراً، ويضع المواطنين في حالة اتهام دائم بوطنيتهم وشرفهم واستقامتهم ونظافة كفهم، باسلوب المحاكمات الميدانية التي كان يرأسها المهداوي أيام حكم عبد الكريم قاسم في العراق أو تلك التي شهدتها فرنسا عقب الثورة الفرنسية.

ماذا بعد؟
لكن، ومع ان السنيورة قال ما عنده، مرحباً بأن المواجهة هي تحديدا مع «حزب الله» يبقى السؤال: كيف ستواصل حكومة الرئيس الحريري عملها بانسجام، إذا كان كل طرف سياسي سيكمن للطرف الآخر، وما إذا كانت عملية مكافحة الفساد أصبحت «قميص عثمان» يحمله كل طرف ليرمي به الطرف الآخر ويحمله مسؤولية ظروف البلد الصعبة؟ وكيف سيتجاوز الرئيسان ميشال عون والحريري الكمائن السياسية الداخلية والخارجية المنصوبة للبنان؟
وفي احاطة موجزة للجواب، رأت أوساط الرئيس الحريري ان في فتح الملفات استهدافاً مباشرا لما سمي «السياسة الاقتصادية والمالية الحريرية» وبالتالي للرئيس الحريري شخصياً، لكن مصادر نيابية ووزارية مطلعة على موقف «حزب الله» قالت ان الجو داخل مجلس الوزراء لم يتأثر من قضية فتح الملفات المالية، ولو ان الرئيس الحريري ألمح خلال الجلسة الأخيرة إلى نوع من الامتعاض لتوقيت فتح الملفات، وركز على مفهوم حكومة الوحدة الوطنية بما يعني التضامن بين مكوناتها من أجل دينامية العمل فيها، لكنه لم يفتعل مشكلة حول الموضوع، فهو لديه معطياته التي يتعامل بها وفق ما يراه مناسباً حيال كل الأمور داخل الحكومة وخارجها.
واوضحت المصادر: ان «حزب الله» مستمر في متابعة كشف ملفات الفساد والتجاوزات والمخالفات حتى نهايتها، ولن تغير حملة الردود حتى التي اعلنها الرئيس السنيورة من هذا التوجه، لكنها تستدرك: ان الحزب لم يتهم السنيورة ولم يثر فقط ملف الأحد عشر مليار دولار، بل اثار كل الملفات المالية من الهبات الى سلف الخزينة الى الحسابات الاخرى في كل العهود، ومن المفروض على القضاء ان يتحرك في متابعة هذه الملفات ويتخذ الاجراءات الواجبة، وعلى الجهات المعنية بهذه الملفات ان توضح للقضاء تفاصيلها وتبرر اجراءاتها آنذاك، انه من الخطأ ربما ان يضع الرئيس السنيورة نفسه سلفا بموضع الاتهام، ومن الخطأ ان يقوم «تيار المستقبل» بحملة مسبقة قبل تحديد القضاء موقفه.
ومهما كان من أمر، فإن الحزب لم يشأ الرد، أقله حتى الآن، مكتفياً باصدار بيان رفض فيه بشدة القرار البريطاني بادراجه على لائحة المنظمات الإرهابية، بجناحيه السياسي والعسكري، معتبراً انه «حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي ولا يحق لأي دولة في العالم تحتضن الإرهاب وتموله وتدعمه ان تتهمه أو أي حركة مقاومة بالإرهاب»، ورأى في هذا القرار «انصياعا ذليلا للإدارة الأميركية يكشف أن الحكومة البريطانية ليست سوى تابع في خدمة السيد الأميركي».

مبعوث «سيدر»
من جهة ثانية، أكد المبعوث الفرنسي المكلف متابعة تنفيذ مؤتمر «سيدر» السفير ميشال دوكين الذي زار الرئيس الحريري ووزراء المال والاقتصاد والاتصالات والبيئة أن «الإجراءات التي ستتخذها الحكومة اللبنانية لاحقاً، مؤشر أساسي للمستثمرين والمانحين للمساهمة والمشاركة في تنفيذ مشاريع «سيدر»، خصوصاً لجهة تسمية الهيئات الناظمة للطيران المدني والطاقة والاتصالات ومكافحة الفساد والحوكمة وتعزيز عمل المجلس الأعلى للخصخصة»، مشدداً على ان الإصلاحات لا تقتصر على الموازنة. وأشار إلى أن «لبنان لا يملك ترف إضاعة الوقت». وقال: « ليس صحيحا ان اموال سيدر ذهبت، انها موجودة ولكن ليس للتوزيع او الصرف مجاناً، او بطريقة عشوائية».
ورأى دوكين في مؤتمر صحفي عقده في قصر الصنوبر انه «خلال اسبوعين يجب ان نلاحظ رغبة اللبنانيين في السير بالاصلاحات اللازمة لمؤتمر «سيدر»، وشدد على انه «يجب أن تضع الحكومة برنامجا محددا من أجل تنفيذ بنوده».
أضاف: لعل بعض المانحين يرغبون في أن يحصل ذلك، ولكن في المقابل يجب تقديم إشارات الآن في مختلف المجالات الواردة في البيان الوزاري، ولا بد من تقديم موازنة 2019 بشكل سريع..
وشدد على أن الرؤية التي أرساها مؤتمر «سيدر» الذي عُقد برعاية بلادي، تقضي بالتقدّم على كل هذه الصعد. ويجب العمل أيضاً على ترتيب المشاريع بحسب الأولويات، وإرساء مشاريع البنى التحتية الضرورية التي تحتاج إليها البلاد»، ورأى أنه «يجب ان يكون الإصلاح في قطاع الكهرباء، ويجب ان تكون الكهرباء ٢٤/٢٤، لأنه دون كهرباء لا مجال للإنماء والإستثمار والتطور».

جلسة الحكومة الخميس
إلى ذلك، اشارت مصادر وزارية لـ«اللواء» الى ان الوزراء لم يتبلغوا بأي تفاصيل عن جلسة مجلس الوزراء المقبلة وما اذا كان المجال متاحا لعقدها بسبب الجلستين التشريعيتين الأسبوع المقبل ام لا، كما افادت ان لا معلومات عن طرح التعيينات في الجلسة المقبلة للحكومة معربة عن اعتقادها ان المجلس سيباشر بدراسة جميع الملفات التي تحمل صفة العجلة لإتخاذ القرارات بشأنها.
وفي مجال اخر افادت مصادر مطلعة ان مؤتمر القضاء يعقد في قصربعبدا على الارجح في الشهر الحالي متحدثة عن مخطط وضع من اجل مواضيع ومحاور البحث المطروحة والمشاركين مؤكدة ان اهميته تكمن في عرض المسائل المتعلقة بعمل القضاء وتبادل الاراء والنقاش مكررة انه يأتي من ضمن سلسلة مؤتمرات يتم التحضير لها تباعا.
تزامناً، كشفت مصادر سياسية عبر قناة O.T.V الناطقة بلسان «التيار الوطني الحر» عن احتمال ردّ رئيس الجمهورية للقرار الذي اتخذه مجلس الوزراء أمس الأوّل بخصوص الدرجات الست للاساتذة المتمرنين في كلية التربية، في ضوء المواقف الحادّة التي أطلقها الوزير جبران باسيل، وذلك استناداً إلى المادة 56 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها خلال 15 يوماً من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية.
وإذ لفت إلى ان المادة عينها تنص على انه إذا أصرّ مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة دون إصدار المرسوم أو اعادته يعتبر نافذاً حكماً، رفضت الرد على سؤال حول احتمال لجوء رئيس الجمهورية إلى مثل هذا التدبير، مشددة على ان القرار في هذا الإطار يعود إلى رأس الدولة دون سواه.