فيما يشهد لبنان فصلا جديدا من فصول الرد الايراني على السعي الاميركي للتضييق على ايران مع انعقاد مؤتمر وارسو بين 12 و14 الجاري عبر الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف للبنان، تعرب مصادر ديبلوماسية عن اعتقادها بان هذا المؤتمر قد لا يعطي المفاعيل المرجوة منه في ظل معلومات عن عدم حماسة دول عربية للمشاركة . وواقع التحالف القائم بين دول عدة في المنطقة مع الولايات المتحدة يحتم واجب المشاركة لان احدا لا يود الدخول في مواجهة او خصام معها على الارجح اضافة الى اعتبارات اخرى ، لكن الامر قد لا يخلو من حرج انطلاقا من عوامل عدة قد يكون ابرزها :
- ان ايفاد الادارة الاميركية كبير مستشاري البيت الابيض جاريد كوشنير الى خمس او سبع دول عربية في اواخر الشهر الجاري من اجل اطلاعهم على الشق الاقتصادي من المقترح الاميركي للسلام في المنطقة المتداول تحت اسم “صفقة القرن” ومن اجل نيل دعمها قد لا يكون بالامر الناجح . اذ تحاول الادارة الاميركية ان تعد الدول العربية بتقديم امر ما على صعيد القضية الفلسطينية في حين ان الامر متعثر في الاصل في موضوع “صفقة القرن” فيما لم تقدم الولايات المتحدة موقفا مساعدا لحلفائها في المنطقة يسمح لهم بتعزيز مواقعهم او اوراقهم ازاء ما تطلبه واشنطن اكان في مؤتمر وارسو او سواه. ويعزز التحفظ الذي لم تخفه دول عربية ازاء مؤتمر وارسو الموقف الذي اعلنته السلطة الفلسطينية من المؤتمر رافضة المشاركة فيه . والحرج الذي يواجه اصدقاء واشنطن من العرب مرده الى الضغط الذي تمارسه واشنطن من جهة ولكن في مقابل عدم تقديمها او قيامها باي امر يخدم المنطقة في الشكل المطلوب. اذ ان من تابع خطاب الرئيس الاميركي دونالد ترامب في حال الاتحاد لمس تأكيده مجددا الدعم الكامل غير المشروط لاسرائيل في مقابل غياب اي اشارة الى الموضوع الفلسطيني او الى توجيه او عتب اي لوم لاسرائيل لمواصلتها سياسة الاستيطان مثلا او عدم القيام باي خطوة من اجل تسهيل الحل مع الفلسطينيين. فالتماهي الذي تظهره واشنطن مع اسرائيل في هذا الموضوع ادى الى حرق كل المراكب التي تسعى واشنطن الى تأمين عبورها في المنطقة. ويخشى ان يكون من ذلك موضوع التصدي لايران ونفوذها في الشرق الاوسط. فمع ان دولا عربية تظهر قلقا كبيرا من التوسع الايراني في عدد من الدول، الا ان واشنطن تهمل واقع توظيف ايران للموضوع الفلسطيني والصراع مع اسرائيل الى حد محاولة انتزاع او المزايدة على الدور العربي في هذا الاطار. ويصعب ان تجاري الدول العربية الولايات المتحدة في ما قد تضعه على طاولة مؤتمر وارسو في ظل تجاهلها انتزاع قدرة ايران وادعاءاتها ومعها “حزب الله” في لبنان بانهم هم من يحفظ كرامة القضية الفلسطينية في حين ترمى الاتهامات في وجه الدول العربية لكي تبدو كأنها متساهلة ازاء صفقة القرن التي تعرضها واشنطن. في حين تفيد معلومات مصادر ديبلوماسية ان واشنطن تعثرت ولا تزال في عرض هذه الصفقة وتفاصيلها علنا في ظل عدم حصولها على موافقة اي دولة عربية مؤثرة انطلاقا من عدم امكان قبول مصر والمملكة العربية السعودية خصوصا باعتبارهما مرجعيتين عربيتين في هذا الاطار او اي دولة اخرى بما يرفضه الفلسطينيون انفسهم. وبالامس اصدرت السلطة الفلسطينية موقفا رافضا كليا لمؤتمر وارسو وهو امر يصعب معه الاعتقاد بان السلطة الفلسطينية هي من ستقود الدول العربية وموقفها ازاء هذا المؤتمر لكنها تضيف حذرا الى الحذر القائم اصلا والذي يمكن ان ينعكس على طبيعة المشاركة او مستواها او حتى الحماسة لاي من بنوده ومقرراته.
- ان واشنطن لم تع انه وعلى رغم العداء لايران وان كان متفاوتا بين الدول العربية او اختلاف المقاربات ازاءها المعتمدة من هذه الدول فان ايا من هذه الاخيرة لا تستطيع ان تتحالف مع اسرائيل ضد ايران على حساب القضايا القومية والتي تتصدرها القضية الفلسطينية. واسرائيل موجودة في ارسو. وهذه نقطة اخرى تفوت ملاحظتها من العاصمة الاميركية الى جانب عدم تنبهها للمدى الذي تذهب اليه ايران في توظيف القضية الفلسطينية والدعم لبعض الفصائل فيها فيما لا تفكك واشنطن اي من هذين اللغمين. في المقابل فان السياسة الخارجية التي باتت تنتهجها واشنطن تثير الكثير من الريبة والمخاوف انطلاقا من عدم مراعاتها التحالفات والحلفاء. فمن جهة هناك النموذج الذي اعتمدته في عدم التنسيق بين حلفائها الغربيين في جملة مسائل لعل ابرزها في الواجهة في الاشهر الاخيرة التناقض في المواقف من موضوع الاتفاق النووي الايراني وفرض عقوبات على ايران ما ادى الى اعتماد دول اوروبية مقاربة للتعامل مع ايران تساهم في اضعاف تأثير العقوبات الاميركية. وهناك من جهة اخرى النموذج الذي قدمته الولايات المتحدة باعلان الرئيس الاميركي عن سحب القوات الاميركية من سوريا على نحو فاجأ الحلفاء واربكهم الى الحد الذي اظهر الدول الصديقة او الحليفة في موقع محرج. ويشار في هذا السياق على سبيل المثال الى ان اعلان سحب القوات الاميركية حصل فيما كانت الحكومة اللبنانية على وشك الولادة في كانون الاول الماضي ما ساهم في عرقلة هذه الولادة للحسابات التي فرضتها على الاطراف السياسية المؤثرة في المنطقة ما ادى الى تأخيرها شهرين اضافيين. وثمة عامل اضافي يظلل التحالف مع واشنطن على وقع المفاوضات التي تجريها راهنا مع طالبان في افغانستان بحيث ان ذلك يفرض على دول صديقة او حليفة اجراء حسابات بعيدة المدى متى تغيرت الحسابات الاميركية!