تحوّل الحديث الذي أدلى به على مدى ثلاثة ساعات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لقناة الميادين إلى حدث أول على المستويين الإقليمي والدولي، لما تضمنه من معلومات توضح مسارات الكثير من الأحداث التي تطرح حولها التساؤلات، وما حفل به من رسائل سدّدها السيد نصرالله في المرمى الإسرائيلي بصورة رئيسية، بالنيابة عن محور المقاومة الذي تشكل المقاومة في لبنان رأس حربته وقيمته المضافة، ويشكل قائدها الركن الأبرز في قيادة محور المقاومة لجهة القدرة على توجيه الرسائل والتعبير عن حاصل التشاور بين أركانها وقادتها.
محاولات الإنكار الإسرائيلية لم تنجح في حجب الاهتمام في الصحافة والتلفزة والرأي العام، حيث الإجماع على أن الحوار حاز أوسع مشاهدة بين الإسرائيليين، وحيث تعليقات المشاهدين تجمع على تصديق ما يقوله السيد نصرالله قياساً بما يقوله قادة الكيان، بينما التعليقات على كلام السيد نصرالله شملت كل وسائل الإعلام العالمية، بحيث لم تخلُ وسيلة إعلام من زاوية مخصصة للتعليق على كلام السيد نصرالله أو لعرض أبرز الرسائل التي تضمنها كلامه.
شرح السيد نصرالله بالتفصيل سياق الانسحاب الأميركي من سورية والمفاوضات التي سبقته لمقايضة هذا الانسحاب بانسحاب إيران وحزب الله، وكيفية فشل مشروع المقايضة. وفكك الفرضيات التي وضعت الإنسحاب في دائرة الخطوة المفاجئة أو الانفعالية والمزاجية، مؤكداً أنها ثمرة فشل المشروع الأميركي في المنطقة من أفغانستان، حيث التفاهم مع طالبان يكتمل، تمهيداً للانسحاب، إلى إيران التي لم تنفع محاولات الحصار بتفخيخ وضعها الداخلي، واليمن حيث الحرب بلغت مداها ولم تحقق أهدافها، وسورية حيث النصر يقترب من نهاياته، وحيث حلفاء أميركا يتسابقون إلى دمشق، ومغزى زيارة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو لفرملة الانهيارات في صفوف حلفاء واشنطن من تركيا إلى الجماعات الكردية، وخصوصاً الحكام العرب وفي طليعتهم الخليجيون.
مساحة هامة منحها السيد نصرالله لتحليل وشرح وتقديم معلومات تفصيلية عن صفقة القرن التي كانت محور السياسة الأميركية لتغيير المعادلات المحيطة بالقضية الفلسطينية وبمحور المقاومة، وكيف أصابها في الصميم ثبات الشعب الفلسطيني وتشكيله سداً أمام قدرة أي طرف فلسطيني على تقديم الشراكة فيها، وبالتالي سقوط رهان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على لعب دور العراب للصفقة، وسقوط الرهان الأميركي الإسرائيلي على الشراكة معه، وفشل تحالف المأزومين الثلاثة، الأميركي والإسرائيلي والسعودي في صناعة إنجاز.
على خلفية هذين البعدين توغّل السيد نصرالله عميقاً في الوضع الإسرائيلي، مركزاً على الفشل في جبهات سورية وغزة ولبنان، حيث سورية تزداد قوة والرهان الإسرائيلي على إسقاطها هو الذي سقط، ومثله الرهان على إخراجها من محور المقاومة، مثلهما الرهان على منع مرور السلاح النوعي للمقاومة عبرها، وسورية تملك قدرة ردع وشبكة دفاع جوي يجب على «إسرائيل» عدم التورط في اختبار قدرتهما، وفي غزة فشل عسكري وسياسي، حيث فرضت قوى المقاومة معادلاتها في المواجهة الأخيرة، أما في لبنان فعملية الجليل التي تشكل أحد خيارات المقاومة في أي حرب مقبلة زادت فرصها مع عملية درع الشمال الإسرائيلية، والصواريخ الدقيقة بيد المقاومة وبما يكفيها في أي حرب مقبلة.
الرسالة الأهم التي وجهها السيد نصرالله كانت للقيادة العسكرية الإسرائيلية لعدم التورط في أي خطأ في التقدير تحت ضغوط رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المأزوم انتخابياً، لأن مثل هذا الخطأ سيشعل حرباً مليئة بالمفاجآت التي ستجعل إسرائيل تندم.
وقد حظيت إطلالة السيد نصرالله اهتماماً كبيراً وتغطية استثنائية من قبل إعلام العدو، ويقول خبراء في الشأن الإسرائيلي لـ«البناء» إن «رصد الاعلام الإسرائيلي لمواقف السيد نصرالله أمس، ليست الأولى، لكن مقابلته التلفزيونية المباشرة على قناة الميادين كانت الأكثر اهتماماً ومتابعة الى حد أن بعض مواقع التواصل الاجتماعي قام بنقل المقابلة مباشرة»، مذكرين بنقل الإعلام الإسرائيلي خطابات نصرالله ابان حرب تموز». وأوضح الخبراء أن «هناك مجموعة من العوامل دفعت بالرأي العام الإسرائيلي لمواكبة المقابلة أبرزها اهتمامه بمعرفة موقف حزب الله من عملية درع الشمال لا سيما بعد صمت الحزب طيلة فترة العملية وللتأكد من تطمينات قادة الاحتلال من جدوى هذه العملية ومدى تمكّنها من حماية الجبهة الشمالية والجليل تحديداً من هجمات حزب الله، الى جانب اهتمامه بالملف السوري ومدى نجاح التحرك العسكري الذي يقوم به جيش الاحتلال في تحقيق أمن الجبهة الإسرائيلية مع سورية لا سيما في الجولان وقدرته على قطع شريان نقل السلاح الاستراتيجي الى حزب الله».
وأشار الخبراء الى نوعين من ردود الفعل في «إسرائيل»: «الرسمية التي عبر عنها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي استخدم سياسة الإنكار والتخفيف من وطأة كلام نصرالله والتشكيك بروايته، وهذه تندرج في إطار المزايدات السياسية الداخلية والحسابات الانتخابية»، ويشير خبراء الشأن الإسرائيلي الى تعليق وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفي ديختر الذي يُعبر عن حقيقة الصدمة التي أحدثها كلام الأمين العام لحزب الله في أوساط القيادة الأمنية والعسكرية الصهيونية، اذ قال ديختر بوضوح إن «على إسرائيل الاستعداد للبحث عن الأنفاق مجدداً»، مؤكداً رواية السيد نصرالله حول الوضع العسكري والأمني على الحدود مع لبنان، بينما دعا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء في الاحتياط، عاموس يدلين، الى أخذ كلام نصرالله على محمل الجد، ما يعني بحسب الخبراء أن السيد «استطاع إيجاد حالة من الشرخ بين المسؤولين الإسرائيليين ولو لم تخرج الى العلن».
وقال محرر الشؤون العبرية في قناة المنار حسن حجازي لـ«البناء» إن «السيد نصرالله نجح في بث الرعب داخل الرأي العام الصهيوني، لكنّ هناك جزءاً من الرأي العام لا يزال مقتنعاً بقوة جيشه وقدرته على الدفاع عن المستوطنين وجزءاً آخر يصدّق السيد نصرالله ويتهم حكومته بأنها تجاهلت عمل حزب الله في مراكمة قدراته العسكرية عبر السنوات الماضية»، وأوضح حجازي بأن «السيد نجح في تثبيت رسائل الردع مع إسرائيل في جبهتي لبنان وسورية، لكن ربما لن يؤثر ذلك في الخطاب الإعلامي والسياسي لنتنياهو، إلا أنه سيؤثر في النقاشات العسكرية والسياسية داخل قيادة العدو ما سيدفع الى تعديل الخطط والتوجهات والإقلاع عن بعض الخيارات الانتحارية لا سيما أن السيد تحدّث باسم محور المقاومة ما يعد رسائل جدية وحازمة الى إسرائيل»، كما أوضح حجازي أن «التأثير الكبير الذي يحدث هزة سياسية داخل إسرائيل هو ترجمة خيارات نتنياهو في الميدان ومن أن يؤدي أي تطور عسكري الى انتكاسة جديدة لجيش الاحتلال كما حصل عقب حرب تموز عام 2006 وحرب غزة الأخيرة حيث استقال وزير الحرب».
وأكدت مصادر مطلعة في 8 آذار لـ«البناء» ان «إسرائيل» بعد كلام السيد نصر الله لن تجرؤ على اختراق قواعد الاشتباك. فالأمين العام لحزب الله كان واضحاً عندما أكد أن أي عملية ضرب أهداف محددة هي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك سيتعامل معها الحزب على هذا الأساس لا سيما أن قواعد الاشتباك التي أسسها محور سورية وحلفاؤها، باتت عنواناً استراتيجياً سيشكل تطوراً جديداً في وجه أي حرب او عدوان. واعتبرت المصادر ان كلام السيد عن امتلاكه الصواريخ الدقيقة المخصصة لاستهداف مواقع محددة هدف الى إثارة القلق في كيان العدو الإسرائيلي والبلبلة في صفوفه من منطلق أن توازن الرعب بات واقعاً ولم يعد افتراضياً.
أما على خط اللقاءات الحكومية، فيوم الخميس بات على الأبواب من دون اي جديد يدعو الى التفاؤل بقرب تأليف الحكومة. ومع ذلك واصل الرئيس المكلف سعد الحريري لقاءات في باريس حيث اجتمع أمس، مجدداً بالوزير جبران باسيل الذي من المفترض ان يعاود نشاطه في بيروت اليوم، علماً ان لقاء باسيل بالحريري جاء عقب اجتماع الرئيس المكلف برئيس حزب القوات سمير جعجع يوم السبت.
وبالتوازي أشارت مصادر معنية بالتأليف لـ«البناء» إلى أن حلّ أزمة الحقائب على خط عين التينة الرابية ليست بالمعقدة إذا وافق النائب السابق وليد جنبلاط على التخلي عن وزارة الصناعة لحركة أمل، مشددة على أن قبول جنبلاط من شأنه أن يسهل الأمور، بحيث يقبل الرئيس نبيه بري التنازل عن حقيبة البيئة لصالح تكتل لبنان القوي، معتبرة أن الاتفاق من جديد على توزيع الحقائب من شأنه أن يسرع في عملية التأليف لا سيما ان تمثيل اللقاء التشاوري بات محسوماً بالتوازي مع صيغة الثلاث عشرات، بعيداً عن الثلث الوزاري المعطل، لافتة الى أن المطروح باختيار اسم من الأسماء الثلاثة التي يريدها اللقاء، وإن بالفصل بين حصة الرئيس والتيار كمخرج.